عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
164
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
للقضايا المجملة في دواة العلم الإلهي المعبر عنها بالنون ، والفرق بين العقل الأول والعقل الكلي وعقل المعاش ، أن الفعل الأول هو نور علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية ، وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إن أوّل ما خلق اللّه العقل » « 1 » ، فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية ، ثم إن العقل الكلي هو القسطاس المستقيم ، فهو ميزان العدل في قبة اللوح الفصل . وبالجملة فالعقل الكلي هو العاقلة : أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول ، لا كما يقول من ليس له معرفة بهذا الأمور ، لأن العقل الكلي عبارة عن شمول أفراد الجنس للعقل من كل ذي عاقلة وهذا منقوض ، لأن العقل لا تعدّد له ، إذ هو جوهر فرد ، وهو في المثل كالعنصر للأرواح الإنسانية والملكية والجنية ، لا للأرواح البهيمية ، ثم إن العقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري ، فهو لا يدرك إلا بآلة الفكر ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلي فقط لا طريق له إلى العقل الأول ، لأن العقل الأول منزّه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاط ، بل هو محل صدور الوحي القدسي إلى مركز الروح النفسي ، والعقل الكلي هو الميزان العدل للأمر الفصلي ، وهو منزّه عن الحصر بقانون دون غيره ، بل وزنه للأشياء على كل معيار ، وليس لعقل المعاش إلا معيار واحد وهو الفكر ، وليست له إلا كفة واحدة وهي العادة ، وليس له إلا طرف واحد وهو المعلوم ، وليس له إلا شوكة واحدة وهي الطبيعة ، بخلاف العقل الكلي ، فإن له كفتين : إحداهما الحكمة ، والثانية القدرة . وله طرفان : أحدهما الاقتضاءات الإلهية ، والثاني القوابل الطبيعية . وله شوكتان : إحداهما الإرادة الإلهية ، والثانية المقتضيات الخلقية . وله معاير شتى . ومن جملة معايره أن لا معيار ، ولهذا كان العقل الكلي هو القسطاط المستقيم ، لأنه لا يحيف ولا يظلم ، على كفة واحدة ولا يفوته شيء ، بخلاف عقل المعاش فإنه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة وطرف واحد ، فقياس عقل المعاش لا على التصحيح ، بل على سبيل الخرص ، وقد قال اللّه تعالى : قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ « 2 » وهم الذين يزنون الأمور الإلهية بعقولهم فيبخسون ، لأنهم لا ميزان لهم وإنما هم خرّاصون ، والخرص بمعنى الفرض ، فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس ، ونسبة العقل الكلي نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس ، ونسبة عقل
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) آية ( 10 ) سورة الذاريات .